ترتيب الأولويات: الأولوية المفقودة

يعتبر ترتيب الأولويات (Prioritization) من مفاهيم الحياة العامة التي نتعامل معها بشكل يومي, وقد تحدث ستيفن كوفي في كتابه الشهير “العادات السبع” عن هذا الموضوع بتفصيل ممتع في العادة الثالثة “الأهم فالمهم” عندما تحدث عن الفروقات بين الأمر المهم والأمر الطارئ.

ورغم أن مفهوم ترتيب الأولويات هو مفهوم بديهي لمعظمنا, إلا أنه ليس -وفي خضم الضغوط اليومية- لا يتحول إلى ممارسة بديهية بالضرورة. فخلال مشاركتي في العديد من المشاريع المختلفة وجدت أن هذا المفهوم شبه غائب في عملنا, ربما لغياب الإدراك الواعي بأهمية  ترتيب الأوليات في المشاريع أو لغياب المعرفة أصلا بأساليب ترتيب الأوليات بشكل يتفق مع طبيعة وأهداف المشروع وهذا ما يتناوله هذا المقال. بل حتى عندما نقوم بترتيب الأوليات فإننا نقوم بذلك كيفما اتفق دون تحليل دقيق للوضع الحالي, وبذلك نعتمد على إحساسنا البديهي(Gut Feeling), بدلا من أن يكون قرارا منطقياً ومدروساً.

تتحدث كتب الإدارة كمنهجيات إدارة المشاريع وكتب تحليل النظم والأعمال عن الأهمية القصوى لترتيب الأولويات وتقدم الكثير من التوصيات في هذا المجال, وسأعتمد في هذا المقال على توصيات الدليل المعرفي لتحليل الأعمال (Business Analysis Body of Knowledge V2.0 أو BABOK اختصارا) في موضوع ترتيب الأوليات, لأني وجدتها مفيدة جدا لجميع العاملين في مجال إدارة المشاريع والتحليل, بل ويمكن يستفيد منها أي شخص يتطلب عمله الإدارة الماهرة لوقته وإنتاجيته.

لا شك بأن نطاق ترتيب الأوليات يختلف من دور لآخر في المؤسسة, فمدراء الشركات عليهم أن يرتبوا أولويات المشاريع ذاتها (مثلا المشروع أ أهم من المشروع ب), أما مدراء المشاريع فعليهم أن يقوموا بترتيب أوليات أجزاء المشروع الواحد (مثلا ترتيب أوليات أنشطة المشروع أو مخرجات المشروع أومخاطر المشروع) أما المحللين فعليهم أن يرتبوا أوليات المتطلبات ضمن المشروع الواحد (فمثلا إجراء العمل أ أهم من الأجراء ب).

عندما يبدأ الشخص المسئول  بترتيب الأولويات فإنه يجب أن يعتمد “إستراتيجية ترتيب الأوليات” التي تنسجم مع الهدف الحالي للمشروع, بمعنى أنه لا يوجد معيار وحيد في تحديد أولوية العمل الحالي, بل يوجد مجموعة من المعايير التي ينتقيها المحلل أو مدير المشروع حسب الهدف الذي يريد تحقيقه في هذه المرحلة من المشروع.  إن أهم الإستراتجيات المتبعة في ترتيب الأوليات هي :

1- إستراتيجية “القيمة الكبرى أولا“: تقوم هذه الإستراتيجية على إعطاء الأولوية للمتطلبات ذات القيمة (business value) الأكبر. فمثلا لدينا إجراء عمل يدعى “خدمة الدفع الإلكتروني” ولدينا إجراء عمل آخر يدعى “خدمة طلب حاسب جديد”. بشيء من التحليل للخدمتين تبين أن الإجراء الأول أكبر قيمة من الإجراء الثاني بسبب أن عدد المستخدمين الذين يحتاجون هذه الخدمة أكبر بكثير من عدد المستخدمين الذين يستخدمون الخدمة الثانية, ولهذه فإن الخدمة الأولى ستعطى أولوية أكبر من الخدمة الثانية.

2- إستراتيجية “المخاطر الأكبر أولا“: نقوم هنا بتنفيذ المتطلبات ذات المخاطر الأكبر أولا (Highest Risks), سواء كانت طبيعة هذه المخاطر تقنية (مثلا استخدام تكنولوجيا جديدة غير معروفة) أو من ناحية تجارية (مثلا تقبل المستخدمين لأسلوب جديد في العمل). تقوم فكرة هذا الأسلوب على أننا لا نعلم إن كان هذا المشروع سينجح أو سيفشل بسبب المخاطر التي تكتنفه, لذلك سنقوم بتنفيذ المتطلبات ذات المخاطر الأعلى أولا, وبالتالي نكون قد ضمنا-في حال الفشل- أقل نسبة خسائر ممكنة بدلا من أن نؤجلها إلى نهاية المشروع, ثم نتفاجأ بهذه المتطلبات الخطرة.

3- إستراتيجية “المتطلبات الأسهل تنفيذا أولا“: في هذا الأسلوب يقوم الفريق بترتيب الأولويات حسب صعوبة تنفيذها التقنية من الأسهل إلى الأصعب (Implementation Difficulty), حيث يبدأ بتنفيذ المتطلبات الأكثر سهولة, والهدف هو ألا يشعر الفريق بالإحباط لو أنه شرع بالمتطلبات الأصعب, وبالتالي يستطيع التعود تدريجيا على المشروع, وذلك بالتدرج في صعوبة المتطلبات. هذا هو الأسلوب المتبع في المشاريع التجريبية (Pilot Project) التي تهدف إلى مثلا استكشاف تقنية جديدة قبل البدء بالمشروع الفعلي.

4- إستراتيجية “النجاحات السريعة أولا“: نهدف هنا إلى الحصول على دعم لمشروع ما مثير للجدل, لذلك فنحن بحاجة إلى تحقيق نجاحات سريعة (Quick Successes) لكي نضمن ذلك الدعم. نقوم بترتيب الأوليات هنا حسب المتطلبات التي لها أعلى نسبة نجاح (Likelihood of Success).

5- إستراتيجية “متطلبات التوافق مع القوانين أولا“: في بعض الأحيان تكون بعض المتطلبات متعلقة بتحقيق توافق مع قانون تنظيمي معين (Regulatory or Policy Compliance), ويكون لهذا المتطلب القانوني أولية على أي متطلب أخر.

6- إستراتيجية “المتطلبات الداعمة أولا“: يوجد بعض المتطلبات التي لا يكون لها قيمة مهمة بحد ذاتها. إلا أن هذه المتطلبات تكون داعمة (Supporting) وأساسية لعمل متطلبات أخرى ذات قيمة كبيرة, لذلك يجب أن نبدأ بهذه المتطلبات الداعمة أولا.

7- إستراتيجية “المتطلبات العاجلة أولا“: يتم ترتيب المتطلبات حسب مستوى الإلحاح (Urgency) لهذا المتطلب كما يراه الأشخاص المؤثرون في المشروع.

 

لا شك بأن هذه الإستراتجيات لا تنفي بعضها بعضا, إذ من الممكن تبني إستراتيجية مركبة تكون مزيج من عدة إستراتيجيات. فمن الشائع مثلا بناء إستراتيجية ترتب المشاريع حسب “القيمة الكبرى أولا” (الإستراتيجية الأولى) و “المتطلبات الأسهل تنفيذا أولا” (الإستراتيجية الثالثة), حيث يتم ترتيب المتطلبات حسب هذين المعيارين في جلسة ترتيب الأوليات وهذا ما سنناوله في المقال القادم إن شاء الله.

نحث الأخوة العاملين في التحليل وإدارة المشاريع على ألا يألوا جهدا في تعلم وتطبيق هذه الإستراتيجيات لأنه ووفقا للعديد من التجارب العملية, توفر الكثير من الوقت والمال والضغوط النفسية التي تواجهنا في عملنا.

 

زاهر الحاج حسين

 

For More information:

–        Stephen Covey: The 7 Habits of Highly Effective People (Free Press, 2004).

–         The IIBA: A Guide to the Business Analysis Body of Knowledge® (BABOK® Guide) Version 2.0 (The IIBA: 2009)

 

6 تعليقات حتى الآن

  1. مشكور على المفاهيم الحلوة وان شاء الله تلقى صدى في العالم العربي وعالم الاعمال السوري على الخصوص
    جزاك الله خيراً على إغناء اللغة العربية بهذا الافكار 🙂

  2. محمدسامر السيد says:

    شكراً زاهر على مشاركتنا بمساهماتك ، وهي برأيي مهمة و تستحق القراءة ، أتمنى لك التوفيق والمزيد من المساهمات المفيدة

  3. Zaher Alhaj Hussien says:

    شكرا كتير منذر, وهذا واجبنا

  4. Zaher Alhaj Hussien says:

    تسلم يا أبو كريم…كلك ذوق عن جد

  5. محمد المفدى says:

    شيئ جميل .. نريد المزيد .. بارك الله فيك

  6. Zaher Alhaj Hussien says:

    شكرا لمرورك الطيب أخي مفدى

أترك تعليقا