المجتمعات العالمية إلى أين؟: التحولات الاجتماعية الكبرى

 

يعتبر التحليل PEST (التحليل السياسي الاقتصادي الاجتماعي التقني) من أهم أساليب التحليل الإستراتيجي التي تتناول تحليل العوامل المحيطة الكلية (Macro-environmental factors ) وذلك في دراسات السوق (التحليل الخارجي) أو في تحليل الوضع الحالي لدولة ما أو للعالم ككل.

يتم ربط العوامل مع بعضها لتحليل العلاقات السببية بينها وكيف سيتم وضع خطط التسويق أو خطط التنمية وفقا لذلك. ومن المهم الانتباه إلى أن هذا النوع من التحليل ليس منهجية تحليلية بقدر ما هو إطار (Framework) لوضع الاتجاهات والعوامل وتحليلها.

وفي هذا السياق, قامت شركة Atos Origin الفرنسية الاستشارية العملاقة بإصدار تقرير شامل عن تحليل هذه العوامل عالميا ودراسة الاتجاهات (Trends) الحالية بشكل يدعم متخذي القرارات الإستراتيجية, وفي هذه المقالة سنتناول الاتجاهات الاجتماعية العالمية.

ورغم أن بعض هذه العوامل تخص بشكل رئيسي المجتمعات الغربية, إلا أن بعضها يلعب دورا كبيرا في التحولات الاجتماعية في عالمنا العربي بشكل نشعر به يوميا.

ولعل من أهم الاتجاهات الحالية وأولها هو تزايد نسبة الفئة العمرية المعمرة (Aging population) وخاصة في البلاد الأوربية والأسيوية وهذا يعزى إلى انخفاض نسبة المواليد من جهة و زيادة جودة العناية الصحية من جهة أخرى, ومن الموقع في غضون 20 عاماً أن تشكل نسبة السكان ذات الفئة العمرية فوق 65 عاماً أكثر من نصف السكان. في هذا الاتجاه يجب تحديد نسبة المعمرين المنتجين ونسبة المعمرين غير المنتجين, لأن هذا سيؤثر على العديد من السياسات المستقبلية. الفئة العمرية الأكبر تميل على توفير المال أكثر من صرفه على البضائع الاستهلاكية, وهذا سيؤدي بشكل طبيعي إلى انخفاض كبير في معدلات الفائدة وبالتالي إلى انخفاض في التضخم. كما أن كون هذه الفئة هي الفئة الكبرى, فإن الشركات ستحاول تصميم منتجاتها وخدماتها وفقا لتفضيلات ومتطلبات هذه الفئة خلافا للوضع الحالي في التسويق القائم على جذب الفئة العمرية الشبابية. وهذا الاتجاه سيكون له تأثيرين جذريين في سوق العمل, فتزايد نسبة المعمرين سيؤدي إلى نقص في العمالة الماهرة وبالتالي إلى حروب بين الشركات في سبيل الحصول والاحتفاظ بموظفيها ذوي الكفاءة والمهارة, وهذا يتطلب ذكاء وحرص من الشركات في مجال إدارة رأس المال البشري لديها. كما أنه سيؤدي (كما يرى الاقتصاديون اليابانيون) إلى الابتكار في الأتمتة والتطوير التقني للتعويض عن نقص العنصر البشري في العمل وتقليص الأجور.

الاتجاه الثاني المهم (يتعلق نسبيا بالمجتمعات الغربية) هو تغير بنية العائلة (Changing Family Unit). فبنية العائلة في المجتمعات الغربية الأوربية والأمريكية مازالت تنحو باتجاه عائلة ولي الأمر الواحد (فقط أب أو أم في العائلة) وهذا كان في مطلع الثمانينات بسبب ارتفاع نسب الطلاق أما اليوم فهو بسبب الإنجاب خارج إطار الزواج الرسمي وتزايد نزعة الفردية (وليدة تكريس مبدأ الذاتية والاعتماد على الذاتindividualization ) وحب البقاء وحيدا (singularization). ففي بريطانيا مثلا نجد أن ربع الأطفال يعيشون في عائلات ولي الأمر الواحد وهذا الأمر آخذ في التزايد عاما بعد عام. هذا الاتجاه سيؤدي إلى تعميق ثقافة البلطجة (Gang culture) في المجتمع بسبب غياب القدوة الأبوية في العائلة والتي تؤدي إلى عدم فهم هؤلاء الأطفال المساكين لدور الرجل في المجتمع كرب عائلة وأب مسئول.

الاتجاه الثالث ذو الصبغة العالمية هي تغييرات بناء التجمعات (Community building), إذ يهتم علماء الاجتماع بدراسة الممارسات التي تسهم في بناء التجمعات سواء حسب المنطقة الجغرافية أو حسب الميول والاهتمامات. يرى المراقبون أن التفكك الاجتماعي في المجتمعات الغربية وتزايد السلوكيات المعادية لقيم المجتمع, سيؤدي إلى صعوبات في بناء التجمعات الصالحة. وكرد فعل على هذه النزعة الفردية, يقوم النشطاء الاجتماعيون ببناء المجتمعات عبر الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي (Social Networking) كحل بديل عن النزعة الفردية في العالم الحقيقي, ومعظمنا يذكر أن بناء التجمعات الصالحة كان من أحد الوعود في حملة أوباما الرئاسية الذي أكد على تأكيد الإحساس بالجماعة (Sense of togetherness).

نتيجة للاتجاه الاجتماعي الثالث نشأ اتجاه رابع مهم وهو المجتمعات المتصلة رقميا (Digitally connected societies). حيث يتم بناء مجتمعات كاملة الكترونيا يربطها تقاطع الاهتمامات أو الأعراق أو الأيديولوجيات, ويصبح لهذه المجتمعات الإلكترونية منظومة من القيم والثقافة الخاص بها. فمثلا في مجموعات شبكات التواصل الاجتماعي نجد إمكانية التواصل بين أعضائها في أي زمان ومن أي مكان وعبر العديد من الأجهزة, وباستخدام تقنيات متقدمة في التعاون بين أفرادها مثل المنتديات والمدونات والتراسل المباشر وصفحات الويكي وميزات تصنيف المحتوى (مثل التوسيم tagging). ومع تزايد استخدام الهواتف الذكية مثل أبل وأندرويد والبلاكبيري فإن الشبكات الاجتماعية وأثارها آخذة في الازدياد.

ومن الاتجاهات الاجتماعية الهامة هو اتجاه الوعي البيئي (Eco-awareness), فالحركة الخضراء- وهي حركة اجتماعية سياسية- تدافع بشكل كبير عن العديد من القيم البيئية المهمة مثل الحفاظ على البيئية والتنمية المستدامة ونبذ العنف والعدالة الاجتماعية. تقوم أيدلوجية الخضر على ثلاث مبادئ رئيسية: من المستحيل التمدد إلى الأبد في فضاء محدود, ومن المستحيل أن نستهلك إلى الأبد موارد محدودة, وكل شخص على سطح هذا الكوكب يرتبط مع بقية سكان الكوكب. هذا الاتجاه يعزز مفوم الاستهلاك الواعي بيئيا أو الاستهلاك الأخضر, حيث يميل المستهلكون إلى شراء المواد الصديقة للبيئة, ولكن العائق الأساسي الذي يحد هذا الاتجاه هو ارتفاع أسعار هذه المواد نسبيا. ورغم ذلك يرى العديد من مديري الشركات بأن عليهم مراعاة هذا الاتجاه المتصاعد لجعل شركاتهم ذات مسؤولية اجتماعية وبيئية.

الاتجاه السادس هو من أهم الاتجاهات الاجتماعية التي تقض مضجع أصحاب الشركات ورؤساء الدول وهو الملكية الجماعية للمعلومات (Information owned by many). إذ أن تقنيات الجيل الثاني من الإنترنت Web 2.0, جعلت إمكانية تشارك المعرفة والمعلومات سهلة للغاية, بحيث لم يعد هناك محتكر وحيد للمعرفة والمعلومة, ولم يعد بإمكان أحد (فرد كان أم مؤسسة) التحكم والسيطرة على المعلومات التي تكتب وتنشر عنهم. لقد أصبح لزاما على الشركات اليوم أن تهتم بسمعتها الإلكترونية (Internet Reputation), وذلك لتفهم ما ينشر عنها عبر الإنترنت, لأن هذه السمعة الإلكترونية ستكون العامل الحاسم في نجاح العلامات التجارية وفي تدمير علامات أخرى. إن فشل الشركات في إدارة سمعتها وعلاماتها التجارية عبر الإنترنت في السنوات القادمة سيكون له نتائج كارثية عليها.

من الاتجاهات التي نعيشها يوميا هو نمط الحياة المفرط (Intensive Lifestyle). إذ أن التوازن بين الحياة الشخصية والعمل أصبح من أهم ما يشغل بالنا اليوم. فبسبب المنافسة المستعرة والظروف الاقتصادية العالمية المضطربة أصبح من الصعب تحقيق هذا التوازن, والحياة وفقا للحكمة القائلة “اعمل لتحيا, ولا تحيا لتعمل”. لذلك تحاول بعض الشركات حاليا دعم فكرة الساعات المرنة في العمل, بل وبسبب الأزمة العالمية شهدنا تزايدا في دعم أسلوب العمل من المنزل.

ثمة اهتمام الآن ببناء المجتمعات متعدد الأعراق وذلك وفق مبادئ التسامح والتفاهم المشترك, وعدم فرض ذلك بالقوة لأن التعايش المفروض بالقوة سيؤدي في وقت الأزمات إلى اندلاع النزعات العرقية والقومية. ولعل الأزمات الاقتصادية الحالية وارتفاع نسبة البطالة يعزز هذه النزعات عبر تعميق الشعور بأن “وظائف الوطن يتم سرقتها من قبل الغرباء”.

من الاتجاهات الاجتماعية الحالية ذات الطابع الاقتصادي هو “تقديم الفائدة بالمجان” (Value for Nothing). إذ مع بروز الإنترنت كعامل رئيسي في التغيرات الاقتصادية, أمسى هناك ارتفاع كبير في عدد وأنواع المنتجات التي تقدم بالمجان مثل البرمجيات المجانية وبطاقات السفر المجانية وقسائم المشتريات المجانية. فالإنترنت ألغى دور الرجل الوسيط (Middleman) في عملية البيع وهذا أدى إلى توفير كبير على المستهلكين. فشركة غوغل مثلا تعتبر من أهم الشركات التي تقدم الكثير من خدماتها مجانا, معتمدة في توليدها للأرباح على أسلوبها المميز في الدعاية.

أما الاتجاه الاجتماعي الأخير فهو لا تسامح مع الخداع (Zero Tolerance). يقوم هذا الاتجاه على وضع السياسات المؤسساتية بشكل واضح تماما ومعاقبة من يخرق هذه السياسات دون تسامح. يدافع أنصار هذا المبدأ عن أن اللاتسامح هو عامل رئيسي في إنشاء بيئة عمل نزيهة.

 

كان هذا استقراءاً لأهم الاتجاهات والتحولات الاجتماعية العالمية, وللقارئ الكريم الحرية في تحديد أيا من هذه العوامل يرتبط مباشرة بعالمنا العربي ومدى تأثيره على أجيالنا المقبلة.

 

زاهر الحاج حسين

 

للاستفاضة

–         Atos look up 2010+ report

 

 

6 تعليقات حتى الآن

  1. جميل داغستاني says:

    رائع هذا المقال يا زاهر أحييك على هذا الجهد

  2. عبدالله الحاج حسين says:

    ارجوا التوسع في مثل هذا الموضوع . مقالة رائعة فالحكومات التي لاتدرك هذه الحالة التي تنموفيها المجمعات تنشل في قيادة شعوبها وتزداد غباء بتطبيق النظام البوليسي لاحكام قبضتها على شعبها , البشرية في حالة شفافية بكل مجالات الحياة , واصحاب القرار مكشوفون مهما تكتموا وهذا ما اكدته وثائق ( ويكيليكس ) بارك الله بك يازاهر .

  3. رنا أبو الشامات says:

    مقال مهم للغاية يوضح أهمية تحليل العوامل المحيطة والتوجهات الحالية ودراستها قبل البدء واتخاذ أي قرار يتعلق بمجتمعنا للرقي به ودفعه للأمام.. إذ ستتغير منهجية العمل بحسب تلك المعطيات أي بحسب كل مجتمع وخصائصه..
    من وجهة نظري أرى بأن الاتجاه الاجتماعي الثالث (نشوء المجتمعات المتصلة رقميا) أهم العوامل المذكورة وأكثرها ارتباطا بعالمنا العربي لا سيما في الآونة الأخيرة حيث برزت ولعبت دورا أساسيا في قلب موازين أنظمة كاملة.. مقال رائع بالفعل.. سلمت يداك

  4. بصفتي مغترب سابق في أوروبا فأنا لمست فعلاً شيوع هذه الميول العامة مما جعلني أقتنع بصوابية هذا التحليل إلى حد بعيد .. ينقصهم فعلاً مفهوم التجمع الصالح هذا ..

  5. Zaher Alhaj Hussien says:

    شكرا لكم جميعا وأرحب دائما بأرائكم ومشاركاتكم الطيبة

  6. جهد مشكور يا زاهر ، و لعل المقال هذا لمس الجوانب الثقافية المجتمعية التي تحدد اتجاهات التغيرات الاقتصادية و السياسية في العالم و كيف أن تحليل السبب و الأثر سيرجع المشاكل الراهنة إلى جذور عميقة في تركيب البنى الاجتماعية و ثقافاتها

    و لكني أرى للاستفادة الحقيقية من هذا الإطار أن نحاول تحليل الاتجاهات في مجتمعاتنا العربية (و للأسف ليس مجتمعنا العربي بسبب التجزئة التي لم تقسم فقط الأرض العربية بل تعدتها في ما بعد للتقسيم الثقافي و اللغوي و الاجتماعي و حتى الآلام و الآمال المرتبطة ببلد عربي قد تختلف بشكل كبير عن بلد آخر) حيث أن عدداً من الاتجاهات المطروحة في المقال لا تنطبق على المجتمعات العربية (كبنية الأسرة و المجتمعات المعمرة و الوعي البيئي)… فهل من الممكن تشكيل مبادرة شبيهة بتلك التي أطلقتها شركة أتوس الفرنسية حول المجتمعات الغربية ، تتبنى هذه المبادرة منظمات و مؤسسات محلية ، تبدأ بالتحليل على المستوى المحلي و من ثم تبحث عن إطار مشترك عربي يتناول مشكالنا؟

أترك تعليقا