لا مكان لك أيتها المؤسسة الفاشلة: معضلة توفيق الأنظمة في المؤسسة


ثمة ألم نشعره جميعا أو لعلنا أمسينا لا نشعر به لأننا اعتدنا عليه وأصبح جزء من ثقافتنا وحياتنا اليومية, مرده حالة الضياع وعدم الوضوح التي نعيشها يومياً سواء داخل الشركات التي نعمل بها أو تلك التي نتفاعل معها لقضاء حوائجنا. إذ تعاني مؤسساتنا العربية (شركاتنا, مؤسساتنا الحكومية, بل حتى عائلاتنا) من وجود العديد من الإجراءات والأنظمة المتناقضة والمكبلة التي تجعل أي فرد منا يشعر بضيق نفسي غامر بسبب الغموض وعدم الوضوح التي تتسم به, بل وتخلق ثقافةً فاسدةً تسود أو ستسود المؤسسة بأكملها عاجلاً أم أجلاً.

عندما نتحدث عن “مؤسسة” فإن هذا المصطلح قد يعني الوطن بكامله أو عائلة أو شركة صغيرة كانت أم كبيرة, لأن أي مؤسسة في نهاية المطاف هي مجموعة من الأفراد الذين يتفاعلون مع بعضهم لتحقيق أهداف معينة وتحكم علاقاتهم مبادئ وقيم معينة (نسميها ثقافة المؤسسة).

وقد وضع ستيفن كوفي (Stephen Covey) في كتابه (العادة الثامنة: من الفاعلية إلى العظمة) نموذجا مميزا للقيادة (Leadership) استقاه من النظريات الإدارية ومن خبرته العملية. يقوم هذا النموذج -باختصار- على المحاور القيادية الأربعة التالية:

1- القدوة الإدارية (Role Modeling): يمثل البعد الأخلاقي والروحي في القيادة وهو يركز على أن يكون القائد قدوة بذاته وشخصية جديرة بالثقة.

2- الرؤية (Vision): يمثل البعد العقلي والفكري في القيادة, وهو يركز على بلورة رؤية واضحة لرؤية ورسالة وأهداف المؤسسة.

3- التوفيق (Alignment): يمثل البعد المادي والهيكلي في القيادة, وهو يركز على بناء الأنظمة ووضع إجراءات العمل وهيكلية المؤسسة بشكل يحقق الرؤية والأهداف. هذا الجزء يشكل جسد الشركة.

4- التمكين (Empowerment): يمثل البعد العاطفي في القيادة, ويقوم على إطلاق العنان لقدرات الأفراد داخل المؤسسة.

نتناول هنا المحور الثالث, وهو محور توفيق أنظمة وإجراءات العمل في المؤسسة لأنه في الحقيقة هو الجانب الذي نتعامل معه بشكل شبه يومي سواء داخل المؤسسة التي نعمل بها أو في تفاعلنا مع مؤسسات أخرى.

إن الأساس الجوهري في أي مؤسسة هو الثقة التي يتم تعزيزها عبر القدوة الإدارية المتمثلة بالإدارة العليا وبعد ذلك يأتي في الأهمية صياغة رؤية حول الأهداف المستقبلية على المديين القصير والبعيد, ورغم أهمية هذين الجانبين, إلا أنهما غير كافيين لبناء مؤسسة قوية.

فلكي تتحول إستراتيجية المؤسسة وتترجم من الحيز النظري إلى الواقع العملي التطبيقي فلا بد من وضع الأنظمة (مثل أنظمة شؤون الموظفين وأنظمة المعلومات وأنظمة التواصل) والإجراءات (مثل إجراءات العمل الرئيسية كالتصنيع والتخزين والبرمجة, أو الداعمة كأنظمة التعويض والتحفيز والمكافآت والمحاسبة المالية وخدمة العملاء) والهيكليات (مثلا المخطط التنظيمي للمؤسسة وطريقة بناء فرق العمل) التي تحقق ذلك. هذه الأنظمة والإجراءات والهيكليات بجملها تشكل هيكل وجسد الشركة.

إن سر قوة المؤسسات والدول المتقدمة هي أنه حتى في حالة غياب القائد فإن هذا لا يؤدي إلى انهيار أو دخول المؤسسة في نفق مظلم (كما يحدث في دول العالم الثالث), ومرد ذلك هو أن قيم وأهداف هذه المؤسسات قد تحولت من مجرد شعارات نظرية ورقية إلى أنظمة وإجراءات قوية ملموسة , وهذا ما نطلق عليها في الإدارة اسم التحول المؤسساتي (institutionalization). وهذا تماما مكمن الفشل في مؤسساتنا ودولنا, إذ ورغم وجود العديد من الأشخاص الأكفاء والصالحين, إلا أنهم حين يعملون في مؤسسات تتسم أنظمتها وسياساتها وإجراءاتها بالخلل وبانعدام الثقة, فإن هذه الأخيرة ستسود وتدمر كل الثقة والإيجابية لدى هؤلاء الأشخاص, لأن صوت فشل هذه الأنظمة سيعلو على أي صوت آخر.

أذكر في أحد الشركات التي عملت بها, كان المدراء يتحدثون بشكل دائم عن أهمية العمل الجماعي والتعاون (وهذه قيم مهمة في أي مؤسسة) إلا أن نظام المكافآت كان يعزز الجهود الفردية ويعزز المنافسة داخل المؤسسة, والكل يتفق أن التنافسية داخل المؤسسة الواحدة يعتبر من أخطر أنواع السرطان التي يمكن أن تفتك بها. الأنظمة تتغلب على الكلام والوعظ والخطب الإنشائية مهما كانت مؤثرة.

لا بد من بناء الأنظمة من قبل أشخاص يتصفون بسمتين أساسيتين: الثقة والكفاءة. عندما نتحدث عن الثقة فنحن نتحدث عن أشخاص جديرين بالثقة والاحترام, ولكن هذا غير كاف, لأنهم يجب أن يتمتعوا أيضا بالمهارات والكفاءات اللازمة لتصميم إجراءات العمل والأنظمة التي –مع مرور الزمن- ستغرس قيم المؤسسة في صميم المؤسسة.

والكثير منا يعلمون أن السلطة يجب أن تكون سلطة أخلاقية (Moral) قبل أن تكون سلطة رسمية (Formal), فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم, كانت له سلطة أخلاقية بين الصحابة الكرام قبل أن تصبح هذه السلطة سلطة رسمية تعزز السلطة الأخلاقية , وفي بعض الحالات تكون هذه السلطة سلطة أخلاقية دون أن تتحول إلى سلطة رسمية كما كان الأمر مع الزعيم الهندي غاندي, إذ لم يتسلم غاندي منصبا رسميا طيلة حياته. ولعل هذا هو الاعتبار الأسمى أثناء تصميم وبناء الأنظمة, وهو تحويل السلطة الأخلاقية إلى سلطة رسمية مؤسساتية (التحول المؤسساتي كما أسلفنا) يعيشها الأفراد يوميا, وهذا ما نراه في الدول المتقدمة ذات الدساتير والقوانين المتحضرة, والتي وإن ابتليت بقادة فاسدين في بعض الأحيان فإن القوة المؤسساتية تضمن لهذه المؤسسات والدول استعادة عافيتها, على خلاف الدول والمؤسسات ذات الفساد المعزز ثقافيا (Culturally-endorsed corruption) وهو أصلا أسوء أنواع الفساد, لأنه لا يكون في أفراد بعينهم فقط بل نراه متأصلاً في أنظمة وإجراءات هذه المؤسسات وهكذا يتحول حتى الشخص الصالح تحت هذه الظروف إلى شخص فاسد.

لم يعد بعد الآن مقبولا أن ينحصر دور القادة في المؤسسات على وضع الرؤية والإستراتيجية والنوم بعد ذلك , بل أصبح من اللازم عليهم المشاركة في بناء الأنظمة والإجراءات وطريقة عملها وخصوصا في الجوانب التي تؤثر على ثقافة المؤسسة, وتطوير هذه الأنظمة بشكل مستمر عبر الحصول على التغذية الراجعة (Feedback) من السوق ومن جميع أصحاب المصلحة (Stakeholder), وكذلك الدراسات المقارنة (Benchmarking) مع المؤسسات المتفوقة, وفهم متطلبات جميع أصحاب المصلحة (العملاء, الموظفين, حملة الأسهم, الموردين, المجتمع ككل, الخ) واعتبار هذه المتطلبات والحاجات هي حجر الزاوية في توفيق الأنظمة.

لم يعد في العالم متسع للفاشلين والفاسدين, لأن ضغوط السوق الحالية والتنافسية القاسية ستطيح بكل المؤسسات والشركات والدول ذات الثقافة الإتكالية والسلبية, وسنتحدث في مقالات سابقة إن شاء الله عن العديد من المواضيع التي تتناول موضوع التوفيق, مثل التخطيط الاستراتيجي لتقنية المعلومات, والتوافق بين تقنية المعلومات وعالم الأعمال, وأنظمة إدارة الأداء للأفراد والمؤسسات. وللحديث بقية.

 

زاهر الحاج حسين

 

 


:للاستفاضة

–       Stephen Covey: The 8th Habit (Simon & Schuster, 2004).

–       Larry Bossidy & Ram Charan: Execution, The Discipline of Getting Things Done (Random House, 2001).

 

6 تعليقات حتى الآن

  1. rana says:

    مقال ملهم ورائع بالفعل.. أتمنى أن تجد صداها ووقعها على أرض الواقع قريباإن شاء الله, حيث أعتقد بأن إقرار مجموع المحاور القيادية الأربعة التي ذكرتها هو نقطة البداية للرقي بمؤسساتنا ونواة التغيير الذي يهب في أرجاء وطننا العربي.. بانتظار مناقشتك للمحاور الباقية ومقالات أخرى مفيدة 🙂

  2. حسام أبو الشامات says:

    كلام جميل و رائع ينبع عن حس بالمسؤولية يرفع بنا للرقي، و لكن ما هو المطلوب منا أن نفهم و نستوعب معنى ان نضع مصالحنا الشخصية بحيث نرفع من مستوانا و بذلك ننجح بالعمل الجاد و لا نكون كالطفيليات التي تمتص دماء هذه المؤسسات

  3. جميل داغستاني says:

    أخي زاهر في كلا حالتي التغيير إعادة هندسةالمنظمة أو تحسينهالا بد من إيجاد و بلورة ثقافة التغيير فيما بين أعضاء المنظمة للميادرة في دعم أعمال التغيير و عدم الوقوف أمام حصولها

  4. Zaher Alhaj Hussien says:

    أخي جميل

    هذا الكلام الذي تفضلت به صحيح مئة بالمئة وفي تصوري ما يلي:

    إن كانت الأنظمة والإجراءات تشكل هاردوير أو جسد المؤسسة فإن ثقافة المؤسسة هي سوفتوير أو روح المؤسسة الذي يعمل على هذا الهاردير. المشكلة برأيي أن فشل عمليات التغير هي كما قلت أنت يكمن في أن التغيير عادة يتم على مستوى الهاردوير (الأنظمة والاجراءات) قبل السوفتوير (الثقافة) لذلك فهي تمنى بفشل ذريع وبهدر ملايين الدولارات ما عدا الخسائر المعنوية كالاحباط وعدم الثقة.

    أحد أهم المؤسسات التي نجحت في التغيير الثقافي في المؤسسة كانت GE, حيث قام قائدها وقتئذ جاك ويلش بتبني مبدأ المؤسسة المعتنقة للتغيير (Change-embracing culture) وذلك بواسطة زرع فكرة “القيادة للجميع” من أعلى الشركة إلى أدناها (أي من أصغر موظف إلى أكبر موظف) وهكذا اصبحت القيادة جزء لا يتجزأ من جينات المؤسسة بدلا من مجرد وعظ وخطابات رنانة. وبهذا حققت GE نجاحها الباهر في الانتقال من مجتمع الصناعة إلى مجتمع المعرفة

    شكرا لك

  5. زيد الجربا says:

    مقال رائع يتكلم عن واقعنا اليومي المعاش ,,,

    شكراً يازاهر ,,

  6. Zaher Alhaj Hussien says:

    شكرا لمرورك الطيب أخي العزيز زيد…تشرفت بك

أترك تعليقا