تخطيط نظم المعلومات الإستراتيجي:احتياجات واقعية

لا شك بأن مشاريع التخطيط الاستراتيجي بشكل عام وخصوصا تلك المتعلقة بتقنية المعلومات تثير لدى الكثير منا ذكريات مؤلمة عن التجارب الفاشلة في هذا المجال, وتستحضر لدى البعض شعورا بالرهبة والتخوف, إذ أن الجل الأعظم من هذه المشاريع كانت نتيجته الفشل الذريع, وتحول المشروع في أفضل الأحوال إلى مجموعة من الوثائق التي وضعت على الرفوف لتأكلها الغبار والأتربة.

ورغم أن أسباب الفشل كثيرة جدا لدرجة أنه من الصعوبة بمكان أن يتم حصرها في مقال واحد, إلا أن الوقوف على الأسباب الرئيسية (root causes) سيجنب هذه المشاريع العديد من المشاكل قبل أن تتحول المشكلة الجذرية الأولى إلى عشرات المشاكل الأخرى ويصبح من الصعب احتوائها ودرء أثارها.

لعل المشكلة الرئيسية الأولى في التخطيط الاستراتيجي لنظم المعلومات (وسنتناول في هذه المقالة التخطيط الاستراتيجي لنظم المعلومات Information Systems كونه المجال الأصعب في تقنية المعلومات) يعود إلى الفهم الخاطئ لمفهوم التخطيط الاستراتيجي وإلى عدم تحديد الاحتياجات الواقعية التي تستدعي إطلاق مشروع للتخطيط الإستراتيجي.

يتم استخدام المصطلح “إستراتيجية” للإشارة إلى الأمور الهامة (مثلا نقول أن هذا عميل استراتيجي للإشارة إلى أنه عميل مهم), أما في سياق تخطيط نظم المعلومات فهو يعني “التفكير بشكل كلي Global حول نظم المعلومات وتكاملها مع بقية العناصر في المؤسسة”. إن القناعة الأولى التي يجب أن تكون ديدن العاملين في هذا المجال هو الاقتناع الكامل بأن عملية التخطيط هي عملية مستمرة ودائمة ولا تتوقف عند صياغة “وثيقة الخطة الإستراتيجية” كما هو الحاصل في مشاريعنا, ولذلك فإن الرئيس الأمريكي السابق دوايت إيزنهاور يقول “لا قيمة للخطط, أما التخطيط فهو كل شيء“, وبالتالي فإننا لا يجب أن نتحدث عن وضع خطة إستراتيجية للنظم المعلومات ونقف عند هذا الحد, بقدر ما يجب أن نهتم بعملية دائمة للتخطيط الإستراتيجي لنظم المعلومات ( IS Strategic Planning Process).

إن السبب الرئيسي الأول في فشل مشاريع التخطيط الإستراتيجي هو عدم تحديد احتياجات العمل (Business Needs) التي تتطلب مثل هذا النوع من المشاريع, وبالتالي يتحول المشروع إلى ضرب من ضروب “الترف الإداري” بدلا من أن يكون مشروعا جوهريا يهدف إلى حل مشاكل مؤلمة تعاني منها نظم المعلومات في المؤسسة. وسنتناول هنا أهم احتياجات العمل التي يمكن أن تقوم مشاريع التخطيط الإستراتيجي بحلها. ويجب الإشارة إلى أنه لا يمكن حصر جميع الاحتياجات, ولكن يمكننا حصر أهم الاحتياجات والأكثر إلحاحاً.

1- الاحتياج الأول “تحسين أداء العملBusiness Performance Improvement : تعاني بعض المؤسسات-وخصوصا تلك التي تعمل في ظروف تنافسية شديدة- من تدني في جودة العمل على مستويات عدة وهذا يسبب في تدني الميزات التنافسية (Competitive Advantage) لهذه المؤسسة في السوق. في بعض الأحيان تكون نظم المعلومات هي السبب الرئيسي في تراجع الأداء هذا, لذلك تقوم هذه المؤسسة بإطلاق مشروع التخطيط الإستراتيجي لدراسة التطبيقات البرمجية الموجودة في السوق والتي من شأنها أن تحقق لهذه المؤسسة ميزات تنافسية. ولا بد من ذكر أن تحسين نظم المعلومات لا ينفصل عن مشاريع التحسين الأخرى, كتحسين إجراءات العمل وتحسين عملية اتخاذ القرارات.

2- الاحتياج الثاني “تقييم الوضع الحالي Current Situation Assessment“: تعاني كثير من المؤسسات من غياب الرؤية المستقبلية حول تطوير نظم المعلومات لديها, وهذا بسبب عدم فهم الوضع الحالي لنظم المعلومات, لذلك فإن تقييم الوضع الحالي هو الخطوة الأولى في وضع رؤية مستقبلية لنظم المعلومات.

تقوم المؤسسة في هذه الحالة بحصر جميع نظم المعلومات التي لديها, بحيث تحدد الأنظمة المتكررة, وفرص تقليص والاستغناء عن بعض الأنظمة, وفرص التحسين الممكنة.  

3- الاحتياج الثالث “متطلبات العمل الفريدة Unique Business Requirements“: يكون لقسم أو لبعض أقسام المؤسسة متطلبات عمل فريدة من نوعها, لا يمكن حلها باستخدام نظم المعلومات والتطبيقات الحالية, وهذا يستدعي إطلاق مشروع للتخطيط الإستراتيجي لإيجاد الحل الأفضل, بدلا من استخدام النظام المفروض من الإدارة العليا.

4- الاحتياج الرابع “ترتيب أولويات المشاريع IS Projects Prioritization“: من أكثر المشاكل الشائعة في المؤسسات الكبرى هو تكاثر وتضارب مشاريع نظم المعلومات لديها مما يؤدي إلى فوضى كبيرة في العمل. لذلك تقوم هذه المؤسسة بإطلاق مشروع التخطيط الإستراتيجي الذي يهدف إلى ترتيب أوليات المشاريع وتحقيق الانسجام بين أوليات مشاريع نظم المعلومات وأهداف المؤسسة الحالية.

5- الاحتياج الخامس “التخفيض Downsizing “: بسبب الظروف الاقتصادية المضطربة التي تعصف بالاقتصاد العالمي من حين لأخر, تضطر بعض المؤسسات إلى تخفيض التكاليف وتحسين فاعلية العمليات الحالية. لذلك تقوم هذه المؤسسة بإطلاق مشروع تخطيط الإستراتيجي لتحقيق هذا التخفيض دون أن يؤثر ذلك على متطلبات العمل لديها.

6- الاحتياج السادس “التوحيد Consolidation“: الوضع الحالي في معظم المؤسسات الكبرى هو استقلالية فروعها تقنيا. هذا يعني أن كل فرع في كل بلد يستخدم نظم المعلومات الخاصة به وهذا يؤدي إلى فوضى كبيرة لدى المؤسسة في إدارة أصولها التقنية. وبالتالي تطلق المؤسسة مشروعا للتخطيط الاستراتيجي لتحديد كيفية توحيد نظم المعلومات أو المعلومات دون أن يؤثر ذلك على العمل وأدائه.

7- الاحتياج السابع “التوافق الاستراتيجي مع العمل Strategic IS-Business” Alignment: عندما تقوم المؤسسة بإطلاق مشروع للتخطيط الاستراتيجي لعمل المؤسسة (business strategy), فإنها يجب أن تطلق أيضا مشروعا للتخطيط الاستراتيجي لنظم المعلومات بحيث تكون نظم المعلومات متوافقة مع إستراتيجية المؤسسة وأهدافها.

8- الاحتياج الثامن “الاندماج Merger “: عندما يتم الاندماج بين مؤسستين منفصلتين, يجب أن يتم إطلاق مشروع تخطيط إستراتيجي لنظم المعلومات بهدف تحقيق الاندماج بين نظم المعلومات المستقلة “سابقا” لدى الطرفين, بحيث لا تعاني المؤسسة الجديدة من صعوبات في الحصول على المعلومات المناسبة وإجراءات العمل المناسبة وتجنب نفسها المصاريف الكبيرة التي يجب أن تنفقها على إدارة نظم معلومات مختلفة.

لا حاجة للقول بأنه في كثير من الأحيان يتم إطلاق مشروع التخطيط الإستراتيجي لمعالجة عدة احتياجات في نفس الوقت, لذلك يجب على أصحاب العلاقة أن يحددوا هذه الاحتياجات قبل إطلاق المشروع, لأن الاحتياجات المحددة من شأنها أن تؤثر وتصيغ جميع عناصر المشروع: مدة المشروع, ومنهجيات وتقنيات التحليل والتخطيط المستخدمة, خبرات فريق المشروع المطلوبة, ترتيب أولويات المشروع, منهجية إدارة المشروع المستخدمة, الخ.

خلاصة القول بأن عدم تحديد الاحتياجات بدقة هو بطاقة أكيدة لمشروع استراتيجي فاشل يضاف إلى مجموعة المشاريع الفاشلة الأخرى.

 

زاهر الحاج حسين

 

 

For more information

  • The IIBA: A Guide to the Business Analysis Body of Knowledge® (BABOK® Guide) Version 2.0 (The IIBA: 2009).
  • Anita Cassidy: A Practical Guide to Information Systems Strategic Planning (Auerbach Publications:2006).

 

6 تعليقات حتى الآن

  1. مقالة غنية بمعلومات حلوة … فهمت أن الفرق بين التوحيد والدمج هو باختﻻف طبيعة الأجزاء المساهمة فهي إما فروع شركة أو عدة شركات على التوالي ولكن ألا تتفق معي أنه يوجد تقارب كبير جدا بالتخطيط الاستراتيجي في الحالتين ويمكن صياغتهما في نقطة واحدة وخظة استراتيجية واحدة ؟
    لك جزيل الشكر زاهر

  2. عبدالله الحاج حسين says:

    تحديد الاحتياجات هذا هو المهم ! من الذي يقوم بذلك ؟ وهل نضمن حياده ونزاهته ؟ وهذا يبدو خطيرا وهاما عند تريد وضع استراتيجيةلمشروع شركة ضخمة لمشروع اقتصادي هام على نطاق دولة يفتح فرص عمل لالاف الافراد . فالمجموعة التي تقوم نتحديد الاحتياجات يجب ان تتمتع اولا باحساس وطني عالي ؟؟؟؟ !!!!
    ثانيا خبرة في التحليل والرصد !؟ ذات قرار غير قابل للرفض من السلطات السياسية , هل نضمن استقلالية مثل هذه المجموعة ؟؟؟؟

  3. أختيار موفق للموضوع، و بالرغم من أنها معالجة سريعة إلا أنها جيدة وتركز على المفيد.

  4. Zaher Alhaj Hussien says:

    عزيزي منذر

    قد يبدو الاحتياجان متشابهان, إلا أننا في حالة “الإندماج” نواجه مشاكل أكبر تقتضي تبني استراتجيات وآليات مختلفة, فمثلا سيكون هناك اختلاف في تفسير المعلومات المؤسساتية (مثلا في الشركة الأولى كلمة “زبون” تختلف عن معنى “زبون” في الشركة الثانية), وسيكون هناك اختلاف في ثقافة الشركة وهذا الاختلاف الثقافي سيؤثر على الأنظمة وبالتالي اندماج الانظمة سيكون اصعب, وسيكون هناك تحدي رئيسي في بناء صورة واحدة لشركتين كانتا منفصلتين وبهويتين مستقلتين, وغيرها من التحديات التي قد لا نواجهها أو نواجهها على مستوى أدنى في الشركة الواحدة (التوحيد)

  5. Zaher Alhaj Hussien says:

    أبي الحبيب

    في الحقيقة تركز هذه المقالة على المشكلة الجذرية الأولى التي نعاني منها في التخطيط الإستراتيجي وهي “عدم تحديد الاحتياجات الواقعية” وهناك أسباب جذرية أخرى لم نتناولها هنا وأهمها هو كما تفضلت مشكلة ندعوها غياب الدعم والرعاية القيادية (Executive Sponsorship ) للمبادرات الإستراتيجية.

    لا يمكن, لا يمكن, لا يمكن أن تنجح أي خطة إستراتيجية مالم يكن ورائها دعم كبير من القيادة العليا سواء في المؤسسات أو في الدول. لأن هذه المشاريع تحتاج إلى إدارة للميزانية وإلى مفاوضات وإلى تمويل وإلى الكثير من المتطلبات التي من المستحيل أن تتحقق دون دعم قيادي جاد ومتابع مهما كانت مهارة وخبرة العاملين في المشروع.
    عادة في المؤسسات الكبيرة والدول المتقدمة تتم هذه المشاريع تحت إشراف هيئة حوكمة (Governance Board) تكون على تواصل دائم ومباشر مع الرئيس أو القائد.

  6. Zaher Alhaj Hussien says:

    عزيزي جميل

    في الحقيقة هذا الموضوع طويل ومتشابك بعض الشيء وقد حاولت أن احصل على “اللحم” المفيد وأقدمه للقاريء الكريم 🙂 أرحب بكل اقتراحاتك

أترك تعليقا