أرشيف June 2013

فن الاستغراق العقلي: العودة إلى الحياة

 

هل تتذكر مذاق آخر وجبة تناولتها؟ هل تتذكر المناظر التي شاهدتها وانت في الطريق إلى العمل؟ هل تتذكر آخر مرة استمتعت بها بفنجان قهوة أو شاي؟ هل تتذكر آخر مرة استمتعت بها بصوت العصافير وهي تزقزق بجانب نافذتك؟ هل انتبهت إلى السور التي قرأتها في آخر صلاة؟

إن كانت اجابتك بالنفي على معظم هذه الأسئلة فهذا ليس بالأمر الغريب, بل هو من الأمور المعتادة جدا لإنسان هذا القرن الذي يعيش بطريقة مسعورة في خضم توترات وواجبات ومتطلبات الحياة المختلفة, التي جردتنا من مجرد الاستمتاع بأصغر نعم الحياة…جردتنا من أن نحيا ونستمتع بلحظتنا الحالية…اللحظة الوحيدة التي نعيشها …”الآن”, فترى الفرد منا يفكر متى سينام وهو يتناول وجبة عشاءه, وعندما يستيقظ يفكر متى سيصل إلى العمل, وأثناء تأديته لمهام عمله يفكر متى سينتهي هذا المشروع, وأثناء حضور لاجتماع ما يفكر متى سيتناول وجبة غداءه, وأثناء راحته في بيته يفكر متى سيخرج لرؤية الاصدقاء, وعندما يخرج وأثناء جلوسه مع أصدقائه يفكر متى سيرجع… وهكذا تتسرب حياتنا من بين أصابعنا..بين لحظة ماضية ولحظة آتية…أما اللحظة الحالية فهي أسيرة الماضي أو رهينة المستقبل.

إن السبب العلمي لهذه المشكلة تمكن في هذا الجهاز الصغير المبهر المعجر الذي نحمله فوق كتفينا…تكمن في العقل (Mind). لقد وهبنا الله سمةً رائعةً جداً نسميها “العادة”, وهي إحدى الآليات الرئيسية التي ساهمت في استمرار الجنس البشري على وجه البسيطة. فالعادة من شأنها أن تسهل وتبسط حياة الانسان عبر “أتمتة” الكثير من المهام التي يقوم بها, لتتحول إلى أفعال روتينية يقوم بها دون تفكير واعي وتصبح كما نقول “بحكم العادة”, لذلك تخيل لو اضطر الانسان أن “يفكر” في كل مرة أراد أن يأكل أو يشرب أو يستحم أو يقود السيارة أو يجلي الصحون…الخ! لذلك فإن العقل يقوم بتوسيع الذاكرة العاملة Working Memory (وهي تلك الذاكرة التي يخزن فيها الدماغ المعلومات المتعلقة بالمهام قيد التنفيذ حالياً) بنظام آلي (يسمى بالطيار الآلي Auto Pilot) للقيام بالمهام الروتينية بدلا من اغراق الذاكرة بكم هائل من المعلومات, تصبح معه من المستحيل على العقل أن يعمل بكفاءة. بل إن العقل قادر على أن يشكل سلاسل معقدة Daisy Chain من العادات التي تفعل بعضها, وتعزز بعضها بعضا.
هذه النعمة قد تتحول إلى نقمة إقرأ المزيد »