فن الاستغراق العقلي: العودة إلى الحياة

 

هل تتذكر مذاق آخر وجبة تناولتها؟ هل تتذكر المناظر التي شاهدتها وانت في الطريق إلى العمل؟ هل تتذكر آخر مرة استمتعت بها بفنجان قهوة أو شاي؟ هل تتذكر آخر مرة استمتعت بها بصوت العصافير وهي تزقزق بجانب نافذتك؟ هل انتبهت إلى السور التي قرأتها في آخر صلاة؟

إن كانت اجابتك بالنفي على معظم هذه الأسئلة فهذا ليس بالأمر الغريب, بل هو من الأمور المعتادة جدا لإنسان هذا القرن الذي يعيش بطريقة مسعورة في خضم توترات وواجبات ومتطلبات الحياة المختلفة, التي جردتنا من مجرد الاستمتاع بأصغر نعم الحياة…جردتنا من أن نحيا ونستمتع بلحظتنا الحالية…اللحظة الوحيدة التي نعيشها …”الآن”, فترى الفرد منا يفكر متى سينام وهو يتناول وجبة عشاءه, وعندما يستيقظ يفكر متى سيصل إلى العمل, وأثناء تأديته لمهام عمله يفكر متى سينتهي هذا المشروع, وأثناء حضور لاجتماع ما يفكر متى سيتناول وجبة غداءه, وأثناء راحته في بيته يفكر متى سيخرج لرؤية الاصدقاء, وعندما يخرج وأثناء جلوسه مع أصدقائه يفكر متى سيرجع… وهكذا تتسرب حياتنا من بين أصابعنا..بين لحظة ماضية ولحظة آتية…أما اللحظة الحالية فهي أسيرة الماضي أو رهينة المستقبل.

إن السبب العلمي لهذه المشكلة تمكن في هذا الجهاز الصغير المبهر المعجر الذي نحمله فوق كتفينا…تكمن في العقل (Mind). لقد وهبنا الله سمةً رائعةً جداً نسميها “العادة”, وهي إحدى الآليات الرئيسية التي ساهمت في استمرار الجنس البشري على وجه البسيطة. فالعادة من شأنها أن تسهل وتبسط حياة الانسان عبر “أتمتة” الكثير من المهام التي يقوم بها, لتتحول إلى أفعال روتينية يقوم بها دون تفكير واعي وتصبح كما نقول “بحكم العادة”, لذلك تخيل لو اضطر الانسان أن “يفكر” في كل مرة أراد أن يأكل أو يشرب أو يستحم أو يقود السيارة أو يجلي الصحون…الخ! لذلك فإن العقل يقوم بتوسيع الذاكرة العاملة Working Memory (وهي تلك الذاكرة التي يخزن فيها الدماغ المعلومات المتعلقة بالمهام قيد التنفيذ حالياً) بنظام آلي (يسمى بالطيار الآلي Auto Pilot) للقيام بالمهام الروتينية بدلا من اغراق الذاكرة بكم هائل من المعلومات, تصبح معه من المستحيل على العقل أن يعمل بكفاءة. بل إن العقل قادر على أن يشكل سلاسل معقدة Daisy Chain من العادات التي تفعل بعضها, وتعزز بعضها بعضا.
هذه النعمة قد تتحول إلى نقمة عندما تسيطر العادة على جميع مفاصل حياتنا لتصبح حياتنا “آلية” بسبب هذا الطيار الآلي الذي يوجهنا دون أن ندرك أو نشعر أو نستمتع بالنعم داخلنا ومن حولنا, بل وتصبح العادة بلية كبرى عندما تحول “أنماط التفكير السلبية” إلى عادة متأصلة فينا, بحيث تسيطر طرق التفكير السلبية علينا ونصبح عبيداً للأفكار السلبية الهدامة التي تأكل لحظاتنا وتلتهم سعادتنا وتجعلنا ضحايا مرض العصر –التوتر Stress- وجميع الأمراض الجسدية والنفسية الناجمة عنه…ولكن السؤال هو كيف تتشكل هذه الأنماط السلبية من التفكير؟
يشكل العقل صورة عن الواقع من حوله بناءً على الحقائق المتاحة له قدر الإمكان, ولكنه لا يكتفي بالحقائق, بل يصبغها بالذكريات وخبرات الماضي الايجابية والسلبية وبالمخاوف التي زرعت فينا طيلة حياتنا (الخوف من الفقر, الخوف من المرض, الخوف من المجتمع, الخوف من الرفض الاجتماعي, الخ), وهذه العناصر الذاتية غير الواقعية لا تعكس الواقع الحالي الموضوعي على أية حال, ثم يقوم العقل ببناء سلسلة من الافتراضات والتخمينات والسناريوهات المستقبلية بناءً على هذه الصورة الذاتية, لذلك يقال أننا لا نرى العالم كما هو, بل لكل إنسان خريطته وصورته الذاتية عن هذا الواقع. عندما تنطلق فكرة سلبية معينة في العقل (مهما كانت صغيرة), يبدأ العقل بمجموعة من العمليات لمعالجة هذه الفكرة, حيث يقوم بالتفكير Thinking والتحليل Analyzing واطلاق الأحكام Judging والتخيل Daydreaming والمقارنة Comparison وغيرها, وهنا يلجأ العقل إلى سجل الذكريات والتجارب والمخاوف المخزنة لدينا محاولا أن يحل “مشكلة” الفكرة السلبية. عملياً يقوم العقل ببناء الوضع المثالي المنشود لحل هذه الفكرة, ثم يحدد الفجوة بين الوضع الحالي المرفوض والوضع المثالي المنشود ويبدأ بالعمل لردم هذه الفجوة. أثناء عمل العقل على ردم هذه الفجوة, يبدأ عدد كبير من الأفكار Thought بالتوالد, وتتصاحب الفكرة عادةً مع مشاعر Feeling ومع إحساسات جسدية Body Sensation, لتشكل بذلك دوامة عقلية Downward Spiral تجر الإنسان معها إلى مزيد من الاحباط والتوتر والقلق وقد تستمر إلى أيام, لذلك فإن فكرة سلبية واحدة قادرة على توليد دوامة كبيرة من الأفكار السلبية, ويزداد الأمر سوءا عندما يبدأ الناقد الداخلي بطرح أسئلة تبدو ظاهريا أسئلة منطقية -ولكنها تعمل على تشتيت العقل أكثر فأكثر- من قبيل: لماذا أنا سلبي؟ لماذا أفكر بهذه الطريقة؟, يجب أن أطرد هذه الأفكار السلبية! من السهل جدا أن تصبح هذه الطريقة من التفكير عادة في الإنسان, حيث يمكن أن يدخل في دوامات عقلية دائما دون أن يدرك ذلك حتى أو يقمع الافكار السلبية هارباً منها. يزداد الأمر سوءا عندما يدخل الجسم في وضعية دفاعية (حالة Fight-or-Flight وهي تلك الآلية التي أودعها الله في الإنسان لمواجهة الاخطار المهددة للحياة, ولكن العقل لا يميز بين التهديدات الحقيقية –مثل هجوم نمر على الانسان- وبين التهديدات المتخيلة مثل الخوف من اقتراب موعد تسليم مشروع أو تخيل سيناريو مأساوي غير حقيقي) والتي تسبب العديد من التأثيرات الفيزيولوجية مثل تسارع ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم والتنفس السريع وافراز هرمونات الكرب مثل الأدرينالين والكورتيزول وتخفيض كفاءة جهاز المناعة, وأيضا تخفيض كفاءة التفكير المنطقي والجهاز العصبي نظير الودي, والانتقال إلى التفكير الدفاعي والجهاز العصبي الودي (يبدأ عضو في الدماغ يسمى Amygdala بالعمل, وإلغاء تفعيل مناطق التفكير المنطقي في الدماغ التي تدعى Prefrontal Cortex). يطلق العلماء على آلية عمل الدماغ السابقة عدد من الأسماء ومن أهمها وضع الإنجاز (Doing Mode) الذي يقوم بتحليل وتفكيك وتركيب وتقييم وتخيل المشكلة بشكل معقد ومتشعب.
ولكن السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن هنا هو: أليس العقل قد خلق ليقوم بذلك ولا يملك الانسان السيطرة على آلية تفكيره وتحليله للأمور؟ فوضع الإنجاز هو جزء متأصل في صميم التفكير البشري, ولا يمكن إلغائه بأي حال من الأحوال.
إن الجواب على هذه السؤال هو نعم ولا. نعم, فنحن يجب أن نقوم بجميع آليات وضع الإنجاز من تفكير وتحليل وتقييم وتخيل وغيرها عندما نقوم بحل المسائل المنطقية مثل المشاكل الرياضية أو التخطيط لمشروع أو التخطيط لرحلة معينة وغيرها من المسائل ذات الطبيعة المنطقية, أما المسائل أو المشاكل ذات الطبيعة العاطفية مثل الغضب أو التوتر أو القلق وغيرها, فهي لا تعالج بنفس وضع الإنجاز, بل هنا يأتي دور نعمة أخرى أودعها الله في العقل أيضا… نعمة “الإدراك” Awareness.
يشكل الإدراك العمود الفقري لذلك الاتجاه المعاصر من الحياة الذي أصبح يطلق عليه اسم الاستغراق العقلي Mindfulness (لا يوجد ترجمة عربية حتى الآن لهذا المفهوم, لذلك قمت بترجمته اجتهادا “الاستغراق العقلي”, لذلك فقد تظهر ترجمة أفضل), حيث يدور مبدأ الاستغراق العقلي حول إدراك الأمور التي من حولنا والإحساس بها دون تقييم أو إطلاق أحكام أو مقارنة أو نقد, أي ملاحظتها والاعتراف بوجودها, مباشرة عبر حواسنا, دون وسيط للتفسير والتحليل. إن هذا الإدراك الواعي للفكرة السلبية عندما تطل برأسها (بدلا من أن تحدث دون إدراكها) يسهم بشكل هائل في تفريغ الفكرة السلبية من مخزونها العاطفي السلبي ويجعلها تذوب في بحر الإدراك بدلا من أن تتحول إلى دوامة عقلية سلبية تشوه حياتنا وتفكيرنا, وخصوصا أن القوة العاطفية السلبية لهذه الأفكار يكون عادةً أقوى من أي تفكير منطقي تحليلي. إن التحدي الأكبر هو أننا لم نتعود كثيرا أن نقوم بالإدراك الواعي لأفكارنا ومشاعرنا وإحساسات أجسادنا. وهذا الوضع الإدراكي الواعي يدعى وضع الوجود (Being Mode).
إن الإدراك الواعي يجعلنا نرى الحياة ونشعر بها عبر حواسنا وهي تتفتح من أمامنا كما هي في حقيقتها وليس كما تصورها لنا عقولنا ومداركنا, وعندئذ نبدأ برؤية وتجريب ومعاينة الأمور على حقيقتها الموضوعية, بدلا من أن نمضي حياتنا في رؤوسنا. عندها تبدأ برؤية الفكرة على أنها مجرد فكرة طرأت في العقل, إنها ليست فكرة حقيقية..إنها ليست أنت, وعندها تبدأ ترى الذكرى على أنها ذكرى مضت وولت وهي ليست أنت, وترى القلق حول المستقبل على أنه أمر متخيل وليس حقيقي, وعندها وعندها فقط تبدأ ترى الامور والأشياء من حولك كما هي لحظة بلحظة.
إن هذا لا يعني إلغاء التفكير والتخطيط وتعطيل وضع الإنجاز, فوضع الإنجاز أمر أساسي في حياة البشر العقلاء, ولكن هذا يعني إن نتعلم متى نستخدم وضع الإنجاز, ومتى ننتقل إلى وضع الوجود, أي متى نقوم بالتفكير و متى نقوم بالإدراك, فهناك فرق كبير عندما أتذكر ذكرى وكأنها تهديد حاضر (كما في وضع الإنجاز) وبين أن أتذكرها وأنا أدرك أنها ذكرى مضت (كما في وضع الوجود)…إنها ليست أنا, وهناك فرق كبير بين التخطيط القلق المتخبط المصحوب بمشاعر القلق والخوف وبين التخطيط الواعي وأنا أدرك أنني مستغرق الآن في عملية التخطيط. لذلك فعندما نواجه مشكلة ذات طبيعة عاطفية (إحساس بالتوتر, قلق من مهمة, الخ), بدلا من أن ندخل في دوامة التفكير والتحليل, لماذا لا ننتقل إلى الإدراك…أي إلى وضع الوجود بحيث أدرك واعترف بهذه الفكرة أو الإحساس, يمكن حتى أن أطلق عليها اسم “مشاعر قلق حول مهمة عمل”, ثم يمكن أن أقوم بالتخطيط أو التنفيذ بشكل واعٍ.
عندما أدرك بشكل واعي حدوث الفكرة السلبية, عندها يكشف العقل الأفكار السلبية على حقيقتها كأحداث عقلية Mental Events, كما نرى فقاعات الصابون أو الغيوم في السماء وهي تذهب بعيدا, وهكذا يبدأ العقل بفك الارتباط بين رأس الفكرة (وهو المحفز الأولي الذي يطلق دوامة التفكير السلبي) وبين ذيل الفكرة (مجموعة الأفكار والمشاعر والإحساسات والمنولوج الداخلي الذي تطلقه هذه الفكرة), وبالتالي تفقد الفكرة زخمها العاطفي وسيطرتها العقلية والنفسية.
لذلك لا يقوم الاستغراق العقلي بإلغاء الأفكار السلبية, فمن الطبيعي أن تخطر لنا الكثير من الأفكار السلبية في هذه الحياة, ومن المستحيل عمليا التحكم بكل الأفكار, ولكنه يهدف إلى ضمان عدم تحول الفكرة السلبية الطارئة إلى دوامة عقلية قد تستمر إلى ساعات وأيام, لذلك ليس هناك جدوى من “قمع” الأفكار السلبية, لأنها ستبقى في اللاوعي وستحاول الظهور من جديد بأشكال مختلفة, لذا فالاعتراف بها سيؤدي إلى إدراكها كما هي على حقيقتها كحدث عقلي بحت مثلها مثل ظهور غيمة في السماء.
قد يخطئ البعض ليعتقد أن الاستغراق العقلي يدعو إلى الاستسلام أو الرضا السلبي بالحياة من حولنا, ولكن العكس هو الصحيح تماما. فإدراك الأمور كما هي على حقيقتها عبر حواسنا (وضع الوجود) من شأنه أن يجعلنا نرى الأمور من حولنا بشكل أكثر وضوحاً وصفاءً ويفتح أمامنا خيارات كثيرة, كانت لتضيع منا لو لجأنا في البداية إلى وضع الإنجاز, وخصوصا إن أفضل الحلول التي نصل إليها عند مواجهة المشاكل ذات الطبيعة العاطفية تظهر عندما نحاول الخروج قليلا من خضم المشكلة ونحن في حالة من الصفاء ذهني. عندها نبدأ بمواجهة مصاعب الحياة بحكمة ومهارة, بدلا من محاولة الهرب منها أو محاولة إيجاد حلول بشكل عقيم. إن هذا يعزز ما يسمى الرضا الاستغراقي Mindful Acceptance الذي يجعلنا نقترب من مشاكلنا.. نعاينها بهدوء بدلا من معايشة مرارة رفض والصراع مع المشكلة والشعور بالوقوع في فخ الحياة…وهذا يزيد من مرونة الإنسان resilience في مواجهة الحياة.
ولكن كيف يتم تعزيز مهارة الاستغراق العقلي؟
إن ملكة “الإدراك الواعي” هي من الإمكانيات المتأصلة في عمل العقل, ومثلها مثل أي مهارة أخرى تحتاج إلى ممارسة واعية لكي تظهر وتنمو. ومن الملاحظ أن الاستغراق العقلي قد أصبح اتجاه عالمي كبير في محاولة اعادة الإنسان إلى حياته المفقودة, وقد بدأ يمارس في عدد من المدارس والشركات الكبرى مثل Google , بعد أن أثبت نجاعته في تخفيف التوتر النفسي والآثار الجسدية الناجمة عنه. يمكن ممارسة هذه المهارة عبر اتباع برنامج في التأمل الاستغراقي Mindfulness Meditation (مثل الكتاب المشار إليه في المصادر أدناه) وهذه تعتبر الطريقة المنهجية في تطوير هذه المهارة. تقوم فكرة معظم التمارين على التركيز الواعي على عملية التنفس, وعندما يبدأ العقل بالشرود (الانتقال من وضع الوجود إلى وضع الإنجاز) تقوم بملاحظة الفكرة التي اتجه إليها العقل, ثم الاعتراف بها (آه..هذه فكرة حول الاجتماع القادم مع العميل الجديد), ثم تتخيل الفكرة وكأنها تطير بعيدا مثل فقاعة صابون أو غيمة في السماء, ثم إعادة العقل للتركيز على التنفس. ولكن لماذا تدور معظم تمارين التأمل الاستغراقي حول التنفس؟
– التنفس هو أهم الأنشطة الفيزيولوجية التي يقوم بها الجسم, ومع ذلك نحن نأخذ عملية التنفس كأمر مسلم به وقد تمضي سنوات دون أن ندرك ولو للحظة واحدة هذه النعمة العظيمة.
– التنفس مرتبط باللحظة الحالية, مرتبط بـ”الآن”, فنحن لا نستطيع التنفس قبل خمس دقائق أو بعد خمس دقائق!
– التنفس مؤشر حيوي مهم عن الحالة النفسية والعقلية.
– التنفس مع الإنسان أينما كان, فهو كالمرساة التي يمكن أن تثبت الانتباه بغض النظر عن أي مكان أو زمان.
يمكنك البدء بممارسة تمرين بسيط ولكنه رائع يمكن استخدامه كلما شعرت بتوتر أو ضغط نفسي أثناء اليوم, يمكنك قراءته وتحميله من هذا الرابط (http://franticworld.com/the-three-minute-breathing-space-meditation-is-now-free-to-download/).
بالإضافة إلى هذه التمرينات السهلة البسيطة, من المهم جدا أن نؤمن بأن الاستغراق العقلي هو أسلوب حياة كامل, إذاً لماذا لا تبدأ بممارسته في جميع أو معظم شؤون حياتك. لماذا لا تتوقف عن ممارسة خرافة تعدد المهام Multi-tasking وتبدأ بالتعود على الاستغراق بالمهمة التي بين يديك بعيدا عن المشتتات كالفايسبوك والجوال…لماذا لا تبدأ بالاستمتاع والتلذذ بوجبة طعامك بكل حواسك بدلا من أن تستغرق في الأخبار أو اللعب بجوالك وأنت تعب الأكل عبا دون أي احساس! لماذا لا تقرر أن تتمشى بشكل استغراقي مدركا العالم من حولك بتفاصيله الصغيرة كزقزقة العصافير والاحساس بالهواء على وجهك والشعور بالأرض تحت قدميك! اختر فعل روتيني معين كل أسبوع وقرر ممارسته بشكل واعي: الأكل, القيادة, شرب الشاي, تنظيف الأسنان, الوضوء, الخ. لماذا لا تصبح أكثر إدراكا لجسمك ورسائله التي يرسلها لك دائما عندما تتعب أو تتوتر. وهكذا تدريجيا سترى الحياة وهي تتفتح أمامك كما هي لحظة بلحظة, نفسا بنفس. الحياة كما هي وليس كما نريدها أن تكون أو نتوقعها أن تكون أو نخافها أن تكون.
هناك كم كبير من التمارين المنتشرة على الإنترنت وكثير منها مجاني ولكنها جميعا باللغة الإنجليزية, ويمكن الاستفادة جدا من هذين الموقعين:
http://franticworld.com/free-meditations-from-mindfulness/
http://www.huffingtonpost.com/news/breathing-exercises/

البعض قد يستغرب ويقول: وهل لدي الوقت الكافي لكي أجلس لبضع دقائق وأنتبه إلى تنفسي؟ أليس من الأجدى أن أقوم ببعض الأعمال المفيدة بدلا من إضاعة الوقت؟
في الحقيقة هذا سؤال مشروع ومنطقي في هذا العالم المسعور, ولكنك يجب أن تغير من نظرتك لهذه التمرينات أو الممارسات أصلا. فهي ليست “مهمة” جديدة تضيفها إلى جدول مهامك المكتظ أصلا, بقدر ما هي لحظات خلال يومك المزدحم, تلتقط فيها أنفاسك وتجدد فيها طاقتك وتعيد منظورك عن حياتك إلى نصابه الصحيح, بل إن هذه التمرينات -مع الوقت- ستزيد الإنتاجية خلال عملك, لأنك ستتعلم الاستغراق العقلي في عملك بدلا من الانشغال بعدة أمور في اللحظة ذاتها, فضلا عن الهدوء الذي يبثه الاستغراق العقلي.
الاستغراق العقلي كأسلوب حياة, لن يجعل حياتك وطريقة تفكيرك أكثر هدوءً فحسب, بل ستشعر بالمزيد من الرحمة والتعاطف مع نفسك أولا (بدلا من جلد الذات) ومع البشر وكل الكائنات الأخرى.
فلنعش لحظتنا الحالية…فلنعش الآن…ولنخطط دون قلق…ولنتذكر الماضي على أنه ماضي ولى…ولنتذكر أن لحظتنا الحالية هي المستقبل الذي منينا به أنفسنا في الماضي, ولنتدارك حياتنا قبل تتسرب بين أصابعنا لحظة بلحظة ونحن غافلون في زحمة الحياة.

زاهر الحاج حسين.

لمراسلة الكاتب والاقتراحات والاستفسارات: zaher@arabicanalyst.com

المرجع الرئيسي
Mindfulness: An Eight-Week Plan for Finding Peace in a Frantic World (2011); Mark Williams and Danny Penman; Rodale

(http://franticworld.com/)
للاستفاضة يمكن الرجوع للمصادر المهمة التالية:
http://www.mindful.org/
http://www.huffingtonpost.com/news/less-stress-more-living

http://zenhabits.net/archives/

http://blogs.psychcentral.com/mindfulness/

9 تعليقات حتى الآن

  1. مروان خطاب says:

    كلام رائع وجميل من كاتب مبدع …

    عيش اللحظة بكل تفاصيلها ولا تدع الماضي او المستقبل يفسد عليك الحاضر

  2. Zaher Alhaj Hussien says:

    شكرا لمروركم الكريم أخي مروان…في الحقيقة أنا مجرد ناقل لهذه المفاهيم إلى لغتنا العربية عسى أن نستفيد منها في حياتنا اليومية

  3. osama says:

    موضوع رائع وجميل جدا ،، شكرا لك اخي العزيز على هدفك السامي وهو اثراء المحتوى العربي بشكل جميل ،، لا تغيب عنا ،، نحن بحاجه الى ابداعك

  4. Zaher Alhaj Hussien says:

    تشرفت بتعليقك الطيب أخي أسامة…بارك الله بك

  5. […] ورغم أن كيلينغسورث اكتفى بكشف هذه الحقيقة المهمة, ولم يستطرد في كيفية مواجهة الشرود الذهني, إلا أن الاتجاه النفسي المعاصر نحو تطوير ملكة الاستغراق العقلي أو الحضور الذهني Mindfulness في اللحظة الحالية يعتبر الحل الأنجع إن لم يكن الوحيد لهذا التحدي. وقد سبق أن أفردت مقالة مطولة حول موضوع الاستغراق العقلي وطرق تطويره. […]

  6. منير says:

    مقال ممتاز بدون أي مجاملة, أنتظر المزيد من كتاباتك.

  7. Zaher Alhaj Hussien says:

    سعدت بمرورك الغالي على قلبي عزيزي منير…تقبل مودتي وتحياتي

  8. عبد الله جبهاوي says:

    شكرا لك استاذ ونفع الله بك

  9. بشاير says:

    أخي زاهر
    أشكرك جداً على هذه الكتابة الرائعة..

  10. محمود says:

    شكرا جزيلا اخ زاهر على هذا البيان الرائع، لأول مرة أفهم معنى الوعي والإدراك فهما عميقا ..

أترك تعليقا